أرشيف مايو, 2008

ليس غريباً أني نكرت ذاتي

مايو 17, 2008

يا صديقي

ليس غريباً أني نكرت ذاتي

و لكن الغريب أنك أنت ما زلت أنت

أنا اليوم شخص آخر

و أنت؟…أنت ما زلت أنت

و ستبقى كما أنت

إلى أن تصبح شخصاً آخرا

و عندها لن تستغرب فعلتي

أجل، فأنت لم تعد أنت

الوفاء و الجحود

مايو 3, 2008

في وقت متأخر من الّليل جلس الشاب الذي عرف الحقيقة متفكراً في حاله … تأمل كيف أنه ومذ أن استقام إلى طريق الحق بدأ يحس بغربة عن العالم الذي حوله. فهو كلما أراد أن يفصح عما في قلبه ابتعد عنه حتى أعزّ الأصدقاء. تألم كثيراً . وفجأة، تذكّر كلاماً كان قد قرأه في كتاب ما. بحث في مكتبته و وجد ذلك الكتاب. قلب في صفحات الكتاب* و قرأ تحت عنوان “الوفاء و الجحود” ما يلي:

(( قال التلميذُ الناشئ لشيخهِ الحكيم :

- ودِدْتُ البارحةَ لو كنتُ شاعرا

قال الشيخ الحكيم مبتسما :

- و لِمَ ؟

قال التلميذُ الناشئ :

- لأُصَورِّ بالشعر ما ثار في نفسي من خواطرَ و مشاعرَ و أنا أسمعُ في مجلسك أخبار فلانٍ الذي استقامَ على طريقِ الحقِّ فلم ينحرفْ مع الدنيا إلى يسارٍ أو يمين ، فتخلّى عنه طلابُ الدنيا الذينَ كانوا يلازمونَه ملازمةَ الظِلّ ، عندما كانتِ المطالبُ و الرغائِبُ تُنال بملازمته ، و إظهار محّبته و مُناصَرَتِه . و تأمّلتُ كيفَ يتحوَّل الصديقُ عنِ الصديق ، و الشقيقُ عن الشقيق ، إذا تحَّولت عنه حُظوظُ الدنيا ، و لم يَعُدْ سبيلاً إلى مكاسبها ، أو أصبحتْ صداقتُه أو أخوَّتهُ حائلاً دونَ هذه المكاسب … لقد فكّرْتُ في هذا البارحةَ فأطلْتُ التفكير ، وتأمّلْتُ فأطلْتُ التأمُّل ، و تأثَّرْتُ لانعدامِ الوفاءِ فغلَبني التأثر ، فتمنَّيتُ في تلك اللحظةِ لو كنتُ شاعراً لأُعَبِّرَ عمَّا يَعْتَلِج في نفسي

قال الشيخُ الحكيم مازحاً :

- فقد كَفَاكَ بعضَ ذلك أبو فراسٍ عندما قال :

تَناساني الأصْحَابُ إلّا عِصابةً

سَتَلْحقُ بالأُخْرَى غداً و تَحُولُ

وَمنْ ذا الذي يَبْقى على العَهْد إنَّهُمْ

وإنْ كَثُرتْ دعواهُمُ لَقَليلُ

أُقلِّبُ طَرْفي لا أَرى غيرَ صاحبٍ

يَميلُ مع النَّعْماءِ حَيْثُ تَميلُ

قال التلميذُ الناشئ :

- فهل أنتَ على رَأْيِ أبي فراسٍ في هذه الأبيات ؟

قال الشيخُ الحكيمُ جادّاً :

- كلَّا يا بُنَيّ ! إنَّ الوفاءَ موجودٌ في هذه الدنيا ، وإن كان لا يَتَمَثَّلُ في كلّ الناس ، ولا يكونُ على درجةٍ واحدةٍ في كلّ النفوس … ولَئِنْ رأيتُ مَنْ يخونُ العهدَ فقد رأيتُ من يُقيمُ على العهد ، ولَئِنْ عرفتُ من يميلُ مع النعماءِ فقد عرفتُ أيضاً من يُضَحِّي من أجل الحقِّ و الأُخُوَّةِ و الوفاءِ بالنعماء … و تجاربُ الزمنِ هي التي تكشفُ هؤلاءِ و هؤلاءِ …فلا يَغْلِبَنَّكَ اليأسُ على الأمل ، و التشاؤمُ على التفاؤل ، فالخيرُ على درجاتهِ المختلفةِ باقٍ إلى يومِ القيامة . و المُسْلِمُ الحقُّ بعدَ ذلك كلِّه ، لا يُغَيِّرهُ ولا يُخْرِجُهُ عن نَهْجِهِ وفاءٌ ولا جُحود ، ولا يطلبُ ولا ينتظُر جزاءً إلّا من الله عزّ و جلّ ، و لا ينثني ولا يتوقّفُ عن غايتهِ و لو تخلَّى عنه سائرُ الناس . ))*

ابتسم ذلك الشاب و عرف متيقناً صدق كلام الشيخ الحكيم. و أيقن أيضاً بأنه لا بد و أن يلتقي بأشخاص أوفياء ، أشخاص عرفوا الحقيقة و آمنوا بها ، أشخاص يعملون لأجلها و لا يرجون جزاءً إلا من الحق عزّ و جلّ .

_______________________________

* المقصود كتاب التلميذ الناشئ و الشيخ الحكيم للأستاذ عصام العطار